السيد كمال الحيدري
296
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
فتحصّل أن الحكم بالافتقار - أي افتقار الممكن إلى مؤثّر - ضروريّ ، وإنما يجب اشتراك العقلاء في التصديق الضروريّ لو اشتركوا في تصوّر مفرداته . وأما إذا حصل قصور لبعض الأذهان عن تصوّر أحد طرفيه إما لنقص في الغريزة أو لغفلة ، تعذَّر الحكم الضروريّ به واحتاج إلى تمثيل وشبهة حتى يحصل له كمال التصوّر . والأصل فيه أن التصديقات الضرورية قد تتوقّف على أسباب وشرائط لا تحصل بدونها ولا يثلم فقدانها عن فاقد الأسباب والشرائط كونها ضرورية . فإن البصير يدرك التفرقة الضرورية بين السواد والبياض ويحكم على كلّ واحد منهما بأحكام ضرورية لا يحكم بها الأعمى لفقد الأسباب والشرائط وهي الإحساس . غير أنه لابدَّ من التمييز بصورة جدّية بين مبدأ العلّية وعلاقات العلّية القائمة بين الأشياء . ونريد بمبدأ العلّية المبدأ القائل : إن لكلّ حادثة سبباً . ونريد بعلاقات العلّية العلاقات القائمة بين الحرارة والتمدد أو بين الغليان والتبخّر أو بين أكل الخبز والشبع ، فإن الاتجاه العقلي على الصعيد الفلسفي الذي يسبغ على العلّية طابعاً عقلياً قبلياً يريد بذلك أن مبدأ العلّية من القضايا التي يدركها العقل بصورة قبلية مستقلّة عن التجربة ، ولا يدعى أن تلك العلاقات الخاصّة بين الحرارة والتمدد أو بين الغليان والتبخّر يدركها العقل بصورة قبلية . فالفلاسفة الأرسطيون العقليون يرون أن معرفة الإنسان بأنّ لتمدد الحديد سبباً أو لتبخّر الماء سبباً هي معرفة عقلية بطبيعتها وليست مستمدّة من الحسّ والتجربة . وأما معرفة الإنسان بأنّ سبب التمدّد في الحديد هو الحرارة وأن درجة معيّنة من الحرارة سبب للتبخّر فليست معرفة عقلية . ولا يحاول الأرسطيون أن يسبغوا عليها طابعاً عقلياً قبلياً ،